منتدى الإبداع لتلاميذ ثانوية إدريس الحريزي التأهيلية
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

الأبراج وفلم الفلك-ج2

اذهب الى الأسفل

الأبراج وفلم الفلك-ج2  Empty الأبراج وفلم الفلك-ج2

مُساهمة  ذ. البويسفي الخميس ديسمبر 02, 2010 5:05 am

العلم والنجامة
لخص الفلكي بيلي Bailly (1780) رأي الفلكيين بالتنجيم بقوله: «إن النجامة هي أطول مرض أصاب المنطق». ويقول لابلاس: «لقد استمرت النجامة حتى نهاية القرن السابع عشر وهو العصر الذي بدأت تنتشر فيه معرفة النظام الصحيح للعالم التي دمرت هذه النجامة إلى غير رجعة»! كذا يجزم الفلكيون والعلماء، وهم محقون، إن النجامة لم تستطع مجارات وتمثل الاكتشافات العلمية الحديثة. وأهم الحجج التي يقدمونها هي أن مفهوم البرج الذي ترتكز عليه النجامة هو مفهوم خاطئ علمياً. كان الأقدمون يتصورون القبة السماوية مثل سطح كرة أملس ثُبتت عليه النجوم بحيث أنها تبعد كلها بعداً متساوياً عن الأرض التي تقع في مركز هذه القبة. وكان القدماء يعتبرون أن كل ما يقع من هذه القبة إنما يكون بفعل إلهي غرضه معاقبة الأرواح الشريرة! ولا يزال المنجمون حتى الآن يعتمدون على هذه الأسس في فهم العالم كما وفي قراءة الطالع. لكن العلم بيّن منذ نحو أربعة قرون أن مسافات النجوم مختلفة جداً في بعدها عن الأرض، هذا ناهيك عن أنه لا الأرض ولا حتى الشمس تقعان في مركز الكون. إن عشرات ومئات وآلاف السنين الضوئية تفصل عنا النجوم التي نراها في السماء بالعين المجردة. وبالتالي فإن الصلة التي كان يفترضها الأقدمون ولا يزال المنجمون يأخذون بها بين نجوم البرج الواحد ليست صحيحة في الواقع. وهذا يعني أن ما نسميه برجاً ليس موجوداً أصلاً، ويخطئ من يقول بأن في السماء بروجاً. فما نراه ليس في الواقع سوى خداع بصري ناجم عن اختلاف المسافات وحجوم وطاقات النجوم.
لقد حاول المنجمون في القرن العشرين اكتساب احترام العلم، وكانت إحدى أهم المحاولات تلك التي قالت بوجود أمواج كهرمغنطيسية تؤثر بها الأجسام السماوية على الحياة الأرضية. والمنجمون الذين يتبعون هذه المقولة يعتبرون أنفسهم أصحاب علم جديد هو “النجامة الحديثة” ويميزون أنفسهم عن المنجمين القدماء مثل بطلميوس أو كبلر. ومع ذلك، فإن منجمين كثيرين إضافة إلى غالبية الجماهير نبذت هذه النجامة الجديدة وكانت ردة الفعل معاكسة تماماً للمتوقع على هذه المحاولة العلمية! فالنجامة هي علم روحي كما يزعمون، والروح لا يمكن أن تخضع يوماً لأي إطار علمي. ويعكس ذلك في الواقع مدى تمسك الانسان عبر هذه النجامة التقليدية بما هو بالنسبة له حل نفسي لما يعاني منه من شعور بالإنفصال عن هذا العالم.
لكن هذه الرياضيات كانت ملاذ المدرسة التنجيمية العلمية من أجل برهان صلاحية النجامة بتطبيق الطرق الإحصائية عليها. وهكذا لجأ هؤلاء إلى الحاسوب. وظهر عام 1970 في الولايات المتحدة كتاب بعنوان “رموز الشمس” بيع منه نحو مليون نسخة. وتؤكد فيه مؤلفته ليندا غودمان: «إن الشمس هي أكثر النجوم والأجسام السماوية تأثيراً، بحيث يمكن وضع جدول محدد تماماً لشخصية فرد وُلد في اللحظة التي كانت الشمس تعطي طاقتها تحت التأثير غير المرئي لرمز نجامي معين. فاهتزازاتها الكهرمغنطيسية (بغياب مصطلح أفضل على مستوى الأبحاث الحالية كما تقول!) تستمر بتشكيل شخصية الفرد على امتداد حياته تبعاً لبرجه النجامي.» ويمكن اعتبار هذه الأفكار الساذجة إنما ذات الرواج أفضل ما توصل إليه المنجمون الملتفون برداء العلم! وقد استفادت هذه الأفكار من التقدم العلمي الذي حققه الفلكيون. فبعض الظاهرات المرتبطة بالنشاط الشمسي لها تأثير مباشر على الأرض. فالثوارنات الشمسية المرتبطة بظاهرة البقع الشمسية هي سبب تشويش البث الراديوي كما والشفق القطبي. وعلى الرغم من أنه لا علاقة لهذه البقع بالنجامة، لكن المنجمين سرعان ما تمسكوا بها كما يتعلق الغريق بقشة للقول بتأثير شمسي مباشر على الانسان واعتبارها بالتالي كإثبات على مبادئ النجامة. وبالمقابل، ولجهل المنجمين بالعلم وتفاصيله الأوسع فإنهم لم ينتبهوا إلى أن الأرض مغمورة دائماً بدفق الأشعة الكونية عالية الطاقة والتي كان بإمكانهم اعتبارها كمصدر لتأثير نجومي بعيد!

وقد حاول النجاميون إيجاد توافقات أخرى بين التأثيرات العلمية المعروفة وأشكال التأثير النجامي. فدرس جون نيلسون John. H. Nelson إمكانية ارتباط الاتصالات اللاسلكية بمواضع النجوم وأعلن عام 1951 أن النقل السيء للاتصالات ينجم عن وجود كوكبين من الكواكب الداخلية الستة في وضعيات التقابل أو الاقتران أو الترابع؛ وبحسب نيلسون يكون احتمال تشويش الاتصالات كبيراً في هذه الوضعيات التي تكون هي سببه المباشر في 93% من الحالات. لكن تحليلاً حديثاً بيّن لسوء حظ النجاميين أن هذا الأثر يتعلق بالطريقة التي تمت بها الحسابات؛ فعدد تكرار هذه الوضعيات خلال السنة كبير جداً وهو أعلى بكثير من عدد أيام حدوث التشويش مما يلغي قيمة مثل هذه الفرضية.
والحق أن النجاميين لم يكونوا أبداً بمستوى تقديم أفكار علمية حقيقية داعمة لأفكارهم. ويعتبر ذلك منطقياً لأن من سيفكر بجدية بالنجامة بشكل علمي سينتهي إلى الإقرار بزيفها وبطلانها! ومع ذلك فقد وجد النجاميون أن التحليل الإحصائي قد يفيدهم في إقناع جمهور أوسع من الزبائن! فمثلاً يقول المنجمون إن الصفات المرتبطة بشخص مولود عندما تكون الشمس في برج الحمل هي القوة والطاقة، وبالتالي يكون مواليد هذا البرج طموحين ومفعمين بالحماسة ومتصلبين! وهكذا قام المنجمان إيزابيل باجان Isabelle Pagan وآلان ليو Alan Leo بجرد مشاهير مواليد برج الحمل (مثل ليوناردو دا فينشي، جوزيف هايدن، هنري جيمس، فينسانت فان كوخ، أرتورو توسكانيني، شارلي شابلن، مارلون براندو…)، ليبينوا بذلك برهان تنبؤات الطوالع النجامية. فهؤلاء كلهم كانوا فعلاً طموحين وحققوا نجاحات كبيرة. ومع ذلك فإن قائمة أخرى يعطيها المؤلفان لمشاهير برج الجدي (بول سيزان، هنري ماتيس، بابلو كازال، كاري غرانت، اسحق نيوتن، بنيامين فرانكلين…) تكشف عن طموحات ونجاحات لا تقل شأناً في المجالات عينها! والرد على مثل هذه الاحصائيات المخادعة والساذجة بسيط. فكم من المواليد الذين ولدوا مع كل من هؤلاء المشاهير في اللحظة عينها إنما كانوا بلا طموح ولم يحققوا نجاحات تذكر؟ بل كم من التوائم كانت حياتهم مختلفة بنسب عالية في إنجازاتها وطبائعها؟ فهل يكون الإبداع بهذه البساطة مجرد تحديد نجامي مسبق لا أثر فيه لطاقة ذات معنى إنساني؟ إن هذه الطريقة في تجميع أسماء المشاهير لا تعني ولا تبرهن شيئاً أبداً. وربما كانت الطريقة الأفضل هي أخذ مجموعة من المشاهير في مجال معين، كالعلماء أو الرسامين مثلاً، ورؤية ما إذا كان يوجد بينهم أغلبية من مواليد برج معين كما تفترض النجامة. وقد درس فعلاً فرانسوورث Fransworth تاريخ ولادة أكثر من ألفي موسيقي ورسام. ووفق النجامة فإن برج الميزان هو الذي يسيطر على معظم هؤلاء الفنانين، لكن التحليل الإحصائي لم يكشف عن مثل هذه النسبة المتفوقة أبداً. وجرد عالم الفلك آلن هينك J. Allen Hynek الموسوعة الأمريكية للعلماء لمعرفة تاريخ ولادة أكبر عدد منهم، وتبين أن هذه التواريخ موزعة عشوائياً على الأبراج كافة. كذلك بينت دراسة تاريخ ولادة 623 قاتل فرنسي أن توزعهم عشوائي أيضاً في حين أن النجامة تضع شروطاً أهمها ولادتهم بتأثير وجود المريخ، وبينت الدراسة عدم صحة ذلك!
لقد قام كارل يونغ ببحث معمق حول قيمة النجامة عن طريق دراسات مماثلة لمجموعات من الأزواج المولودين في أوقات متقابلة بالنسبة للشمس والقمر. فالنجامة تقول إن المولود بالنسبة لموضع معين بالنسبة للشمس يرتبط غالباً بمولود بالنسبة لموضع معين مقابل للقمر. لكن يونغ لم يستطع إثبات ذلك كما هو متوقع. كذلك حاول عالم النفس ميشيل غوكلان Michel Gauquelin العثور على علاقات نجامية بدراسات دقيقة وموسعة جداً، وعلى الرغم من أنه ظن في البداية أنه توصل إلى نتيجة مفاجئة، لكن الأبحاث التالية وبخاصة التي أجريت بإشراف بول كودرك Paul Couderc، بينت أن حسابات غوكلان كانت ناجمة عن تأرجحات إحصائية حسابية.
إن الدراسات التي حاولت اختبار تنبؤات النجامة لا تحصى. ولعل أشهرها ما كان يتعلق بأطوار القمر لما له بحسب النجامة من تأثير على حياة البشر. ومن هذه الدراسات ما تم من أبحاث ترتكز على سجلات الشرطة أو رجال المطافئ أو المستشفيات النفسية، فلم يعثر على صلة بين أطوار القمر وعدد الجرائم أو الجنح أو الحلات النفسية غير الطبيعية. وذهب بعض العلماء إلى أبعد من ذلك فأبرموا مع بعض النجاميين اتفاقاً لاختبار النجامة. وكانت التجربة الشهيرة في هذا المجال والتي لم يستطع النجامييون أنفسهم الاعتراض عليها هي التي قام بها شون كارلسون Shawn Carlson من جامعة بركلي Berkeley بالتعاون الوثيق مع الجمعية الرئيسية للنجاميين في أمريكا (National Council for Geocosmic Researche) ونشرت نتائجها عام 1985 في المجلة العلمية الرفيعة المستوى والجادة Nature. وكانت التجربة تهدف إلى اختبار امكانية استخراج صورة نفسانية صحيحة لفرد من طالعه البرجي وذلك بشكل عشوائي. فطُلب من نجاميين أن يختاروا من بين ثلاث نتائج لاختبار الشخصية النتيجة التي توافق الصورة النفسية التي كانوا قد استخرجوها من الطالع الفلكي. وبشكل معاكس كان على مجموعة من الناس أن تنتقي من بين ثلاث صور نجامية الشخصية التي توافق طالعهم الخاص. ولم تعطي التجربة أية نتيجة إيجابية. فشخص واحد من ثلاثة اختار الشخصية المأخوذة فعلاً من طالعه، ومنجم واحد من ثلاثة انتقى الاختبار الصحيح للشخصية بالنسبة للصورة النجامية، وهذا يوافق بالضبط نتيجة إجراء سحب بالقرعة. وكان ذلك برهاناً واضحاً على أن النجامي، كما كان يقول فولتير Voltaire، “ما كان لينال ميزة أن يخطئ دائماً”، وذلك لأنه إنما بالحظ كان يعطي الاجابة الصحيحة أحياناً! وهذا ما يؤكده القديس أغوسطينوس بقوله: «لا يوجد فن تنجيمي، فإذا تم التنبؤ بشكل صحيح فبالصدفة المحضة». وما أجمل أن نجد هذه النتيجة عند بعض علماء العرب والمسلمين كي نحذو حذوهم ممن كانوا رافضين للتنجيم ومنهم الفارابي وابن سينا وابن حزم الاندلسي، ولهذا الأخير نص علمي أورده في كتابه الشهير “الفصل في الملل والأهواء والنحل”: «زعم قوم أن الفلك والنجوم تعقل وأنها ترى وتسمع؛ وهذه دعوى بلا برهان. وصحة الحكم أن النجوم لا تعقل أصلاً وأن حركتها أبداً على رتبة واحدة لا تتبدل؛ وهذه صفة الجماد الذي لا خيار له. ليس للنجوم تأثير على أعمالنا ولا عقل لها تدبرنا به؛ إلا إذا كان المقصود أنه تدبرنا طبيعياً كتدبير الغذاء لنا، وكتدبير الماء والهواء، ونحو أثرها في المد والجزر، وكتأثير الشمس في عكس الحر وتصعيد الرطوبات. والنجوم لا تدل على الحوادث المقبلة». فيا له من نص علمي وعصري رائع!
وأخيراً فإن الاكتشافات المستمرة الحديثة تنقض يوماً بعد يوم ما تبقى من موروث النجامة. فقد بات معروفاً الدور الأساسي للمورثات في تحديد المظهر الفيزيائي والنمطي للبشريات والحيوانات. فالتوائم الحقيقية مثلاً مرتبطة فعلاً بمورثات تجعل الكثير من صفاتها شبه متطابقة، لكن لا أثر في ذلك للنجامة بالتأكيد. ومع ذلك، إذا كان العلماء ينفون عن النجامة الحالية أية صفة علمية لكنهم لا يبخسونها حقها في تطور العلوم في الحضارات القديمة، ويعتبرونها مصدراً هاماً لدراسة تطور الفكر البشري كما وتطور حاجاتنا النفسية.
الأبراج ورمزية السماء
لرمزية السماء مساس بشعورنا الديني الأعمق. إن العلي يرتبط بالسماء العالية والعليا ارتباطاً كاملاً. ولهذا فإن كل ما يأتينا من السماء يأتي من العلي، وما المطر والصاعقة والرعد والحرارة والريح وغيرها إلا تجليات لقدرة السماء. وإن كان هذا العلو يرمز إلى الارتفاع فإنه يتوافق بحسب الانتروبولوجيين بخاصة مع انتصاب الهومو سابيان homo sapien ونظره إلى الأعلى مفتتحاً العصر الذي يسميه باشلار بعصر الأحلام. لقد كان الصعود إلى السماء الرمز الأهم في كافة الطقوسيات الدينية، وحتى العلم لا يفلت اليوم من تحويل الرحلات الفضائية إلى إسقاط نفسي لحاجاتنا إلى سبر هذا العلو اللامتناهي. كان هذا الارتحال يتم عبر طبقات سبع أو تسع أو اثنتي عشرة بحسب الشعوب المختلفة التي أوردت مثل هذه التجربة. والحق أن سبرنا النفسي لشكلانية البروج السماوية وحركات النجوم وتوافقاتها ليس سوى محاولة لردم هذه الهوة من العلو إنما بشكل تقليصي بين السماء والأرض، أو بين الانسان والألوهة!
إن ارتباط مفهوم العروج في السماء بالنورانية السماوية وبالملأ الأعلى لا ينفي وجود تلك الفسحة الرهيبة من الظلمة في هذا الكون اللامتناهي. ومن هنا ارتباط النموذج البدئي للسماء بالليل وبالتناوب مع النهار. وبالتالي ارتباط العلو بالنور، والعمق والعودة إلى الأرض بالظلمة وبالسقوط وبآدم الأول. وفي عالم الظلمة السماوية يلعب القمر بالدرجة الأولى الدور الرئيسي في إعطاء كافة الإيحاءات الممكنة للتشكيلات السماوية. وهكذا تعطي أهلة القمر وتتابعاتها المعنى للتغيرات الأرضية البيولوجية والزراعية والملحمية. فمن النجامة الحيوية الكلدانية إلى المكسيكية الأكثر أسطورية مروراً بعبادة السماء عند الصينيين، ووصولاً إلى حضارات المتوسط العريقة، فإن الأطوار القمرية هي التي تحدد مع الحركات الكوكبية والتعارض الشمسي ـ القمري ما نسميه بالتقاويم والطقوس والشعائر وبخاصة منها المرتبط بالزراعة. إن تقسيم هذا الزمن السماوي إلى مراحل يترافق بإسقاط الزمن النجمي على المساحة السماوية. فالجهات الرئيسية الأربع هي جهات الاعتدالين والانقلابين للشمس وجهات ومسارات الكواكب أو النجوم اللامعة.
إن هذه السماء التعارضية بين النهار والليل، بين قمر طالع وقمر غارب، إضافة إلى تربيع الجهات الذي يسقط الظل المربع للأرض على السماء الدائرية، يصبح هو النموذج الكوني الذي تتلاقى فيه المتعارضات. ويمكن القول إن تربيع دائرية السماء بواسطة الجهات الأربع للأرض هو أول “مندلة” لكل ما يحكم هذا العالم من جهات وحركات. وضمن هذا التعارض أو الفضاء الموجه للسماء ينشأ رمز “التلاقي المتعارض coincidentia oppositorum” الذي طرحه يونغ C. G. Jung. وبالتالي تصبح السماء المربعة والمنظمة بشكل من الأشكال نموذحاً كاملاً و قادراً وفاعلاً بالنسبة لكل مصير أرضي. وهكذا فقد ارتبط ونشأ دائماً، في نفسانية الانسان، رصد السماء مع النجامة بمعنى التلاقي بين السماء والأرض، بين الداخل والخارج، بين المجهول والمعروف، بين الظلمة والنور.
إن التوافق الكبير والمدهش التنظيم الذي تشكله القبة السماوية وحركة النجوم فيها وهندسة اتجاهاتها، هو الذي أوحى بأنه يحكم مصير كل فرد ويقيس ويحدد مواقيت الأحداث ومصائر الامبراطوريات والتاريخ. إن أول ما تفتحت عليه النفوس البشرية كان السماء التي عكست ما في أعماق الانسان من اتساع وعمق ووحدة. فإلى ما وراء هذه الأساطير كلها المسقطة على السماء هناك هذه الحركة المنتظمة دائماً لكل نجومها وأفلاكها، ويعكس هذا الانتظام التوق الإنساني البدئي للكمال والتواحد مع لانهاية الكون. وشيئاً فشيئاً حلّت التأملات الفلكية محل الإسقاطات النجامية لتعطي لأسطورة المعرفة البشرية توازناً بين السماء الخارجية والسماء الداخلية. فمن أفلاطون إلى بطلميوس، ومن أريستارخوس إلى كوبرنيكوس وكبلر، لم تحجب الرمزيات السماوية ملاحظة انتظام الحركات الكوكبية والنجمية. وفي هذا الانتظام كان يكمن “الجاذب”، إن صح التعبير، الذي كان يقود انتظام النفس الإنسانية نحو معرفة أكثر توازناً بين الداخل والخارج.
الخاتمة:
علينا أن نكون أكثر اهتماماً بطاقاتنا النفسية، فلا نبددها في متابعة الآمال الكاذبة أو في خشية المصير السيء والحتمي. إننا أحرار، وبقدر ما نعطي لأنفسنا القدرة على الإنفتاح المعرفي فإننا نبني طاقة نفسية معافاة وفاعلة . إن العمل المنظم قادر على تحقيق أمانينا، وإن الفكر الحر هو طريق مستقبلنا. إن طاقتنا النفسية هي مسؤوليتنا، وكل بحث عن معرفة أو مصير خارج نطاق تفعيله إيجابياً، وكل إسقاط لحاجاتنا النفسية على الإجابات الجاهزة والآنية، لهو إعاقة وتقييد لقدرتنا الحقيقية على المبادرة الإيجابية. لقد بلغ الانسان في تطوره الفكري والنفسي مع نهاية القرن العشرين موقعاً يؤهله للتمييز بين ما هو مجرد تعويض كاذب وما هو حاجة داخلية حقيقية لا تقبل إلا الحلول المتحررة من كل ما هو مُشرط ومهدم لطاقة الإنسان

ذ. البويسفي
Admin

عدد المساهمات : 85
نقاط : 191
تاريخ التسجيل : 28/03/2010

https://sakani.ahladalil.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى